
سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِير
نأتي الآن إلى مسألة منكر ونكير عندما يأتيان إلى الميت في قبره من أجل السؤال عن ربه ودينه ونبيه وإمامه فتقول الروايات يقعدانه كما في قول أمير المؤمنين(ع) :حتى إذا انصرف المشيِّع ورَجَع المتفجع أُقعد في حفرته نجياً لبهتة السؤال وعَثرَة الإمتحان:
فهل استعمال لفظ القعود هنا حقيقي أو مجازي؟ يعني هل يقعد الميت في القبر وتلجه الروح للحظات السؤال؟ أم أن استعمال لفظ القعود كان مجازياً؟ فهو كناية عن توجيه السؤال للروح؟ ويكون القعود بمعنى الإنتباه والإِشخاص، أي أن الروح تكون منتبهة لِما يطرح عليها من قبل الملكين في القبر؟ هناك احتمالات كثيرة في المقام، فلا يوجد نص صريح يقول بأن الروح تعود إلى الجسد في القبر، بل وجد ما يقول بأنها لا تعود إليه إلى يوم القيامة، وأن الملكين في القبر لا يخاطبان الجسد ولا يقعدانه، وإنما يخاطبان الروح التي كانت في الجسد، ولكن التعبير بالجسد عن الروح صحيح لكونه كان ظرفاً لها، وهذا ما عليه الناس عندما يبكون موتاهم فإنهم لا يرون الروح ولا يخاطبونها، بل يتوجهون إلى الجسد ويخاطبونه ويودعونه وكأن الروح ما زالت فيه، وأنا هنا لا أنفي مسألة رجوع الروح إلى الجسد كلياً إذ لعله يوجد نظام خاص لتلك المرحلة، خصوصاً وأن هناك أحاديث ترشد إلى وقوع هذا الأمر كقول الإمام علي بن الحسين(ع): كأن قد أوفيتَ أجلك، وقبض الملَكُ روحك، وصرتَ إلى منزلٍ وحيداً، فرُدَّ إليكَ فيه روحُك، واقتحم عليك فيه مَلَكاكَ منكر ونكير لمساءلتك، وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تَدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمُرك فيما أفنيته، ومالِك من أين اكتسبته وفيما أتلفته، فخُذْ حِذرك وانظر لنفسك، وأعدّ للجواب قبل الإمتحان والمساءلة والإختبار:
فسؤال منكر ونكير للإنسان أمر حتمي الحصول، وهو أحد الأنظمة الأخروية التي حدثنا عنها الكتاب العزيز والسنّة المطهَّرة، فلا يجوز إنكاره بوجه من الوجوه.
الشيخ علي فقيه


